الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

234

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

على أن هذه الآية ليست هي الآية الوحيدة التي توصي بالعبيد ، بل لقد بحثت هذه المسألة في آيات مختلفة أخرى أيضا . هذا مضافا إلى أن الإسلام قد نظم برنامجا دقيقا لتحرير العبيد تدريجا ، والذي يؤول في النتيجة إلى تحريرهم المطلق ، وسوف نتحدث حول هذه المسألة في ذيل الآيات المناسبة إن شاء الله تعالى . ثم إنه سبحانه يقول في ختام هذه الآية إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا وهو بذلك يحذر كل من يتمرد ويعصي أوامر الله ، ويتقاعس عن القيام بحقوق أقربائه ووالديه واليتامى والمساكين وابن السبيل والأصدقاء والأصحاب بدافع التكبر بأنه سيكون معرضا لسخط الله ، وسيحرم من عنايته سبحانه ، ولا ريب أن من حرم من اللطف الإلهي والعناية الربانية حرم من كل خير وسعادة . وتؤيد هذا المعنى روايات وأخبار قد رويت في ذيل هذه الآية منها ما عن أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث قال : كنت عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقرأ هذه الآية " إن الله لا يحب كل مختال فخور " فذكر الكبر فعظمه ، فبكى ذلك الصحابي فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ما يبكيك ؟ فقال يا رسول الله : إني لأحب الجمال حتى أنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي قال : " فأنت من أهل الجنة ، أنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس " ( 1 ) . والخلاصة أن ما يستفاد من العبارة الأخيرة أن مصدر الشرك وهضم حقوق الآخرين هو الأنانية والتكبر غالبا ، ولا يتسنى للشخص أداء تلك الحقوق ، وخاصة حقوق الأيتام والمساكين والأرقاء إلا من تحلى بروح التواضع ونكران الذات ( 2 ) . * * *

--> 1 - غمص الناس : احتقرهم واستصغرهم ولم يرهم شيئا . انظر لسان العرب ( غمص ) . 2 - " مختال " من مادة " خيال " حيث يرى الشخص نفسه بسبب بعض المتخيلات عظيما وكبيرا ، وسمي الخيل خيلا لأن مشيته تشبه مشية المتكبر ، " فخور " من مادة " فخر " والفرق بينها وبين الأولى ان المختال إشارة إلى تخيلات الكبر في مجالها الذهني والأخرى يراد بها الأعمال الصادرة عن كبر في المجال الخارجي .